دل القرآن العظيم في موضعين منه على أن الأرض
مخلوقة قبل السماء
وذلك في قوله تعالى : (هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَىإِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ)
وقوله تعالى : (قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِييَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ . وَجَعَلَفِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَافِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ . ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَاأَتَيْنَا طَائِعِينَ )
وهذا لا يتعارض مع قوله تعالى في سورة النازعات : ( أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًاأَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا . رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا . وَأَغْطَشَ لَيْلَهَاوَأَخْرَجَ ضُحَاهَا . وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا . أَخْرَجَ مِنْهَامَاءَهَا وَمَرْعَاهَا )
فالأرض خلقت أولا ، غير مدحُوّة ، ثم خلقت السماء ، ثم دُحيت الأرض ، وذلك بإخراجالماء منها والمرعى ، أي الأشجار والزراعات ونحوها .
ومعنى قوله تعالى : ( هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ) أي : أصل الأرض ، مع تقدير ما سيكون عليها من أرزاق وغير ذلك . فـ (خَلَقَ) هنا بمعنى : قدّر ، وهذا موافق لقوله في سورة فصلت : ( وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا ) .
قال العلامة محمد الأمين الشنقيطي
رحمه الله : " اعلم أولا أن ابن عباس رضي اللهعنهما سئل عن الجمع بين آية السجدة [أي آية سورة فصلت] وآية النازعات ، فأجاب بأنالله تعالى خلق الأرض أولا قبل السماء غير مدحُوَّة ، ثم استوى إلى السماء فسواهن سبعا في يومين ، ثم دحا الأرض بعد ذلك ، وجعل فيها الرواسي والأنهار وغير ذلك .
فأصل خلق الأرض قبل خلق السماء ، ودحوها بجبالها وأشجارها ونحو ذلك ، بعد خلقالسماء .
ويدل لهذا أنه قال : ( والأرض بعد ذلك دحاها ) ولم يقل : خلقها ، ثم فسر دحوه إياهابقوله : ( أخرج منها ماءها ومرعاها ) وهذا الجمع الذي جمع به ابن عباس بين هاتينالآيتين واضح لا إشكال فيه . مفهوم من ظاهر القرآن العظيم " انتهى .
ثم ذكر آية سورة البقرة ، وبين أن المراد بالخلق فيها : التقدير ، أو خلق أصل الأرض .
وذكر وجها آخر للجمع ، وهو أن قوله : ( والأرض بعد ذلك دحاها ) أي مع ذلك ، فلفظة ( بعد ) بمعنى ( مع ) ، مثل قوله تعالى : ( عتل بعد ذلك زنيم ) . وهذا الجمع يُستأنسله بالقراءة الشاذة ، وبها قرأ مجاهد ( والأرض مع ذلك دحاها ) . فتكون آية النازعاتلا ذكر فيها للترتيب بين خلق السموات والأرض ، وحينئذ فلا تعارض بينها وبين آيةالبقرة وفصلت .